في الأساطير اليونانية حكاية غريبة عن رجل لقي حتفه لأنه طار قريبًا جدًا من الشمس. كان اسم الرجل إيكاروس. وتروي الحكاية أن إيكاروس وأباه سُجنا في جزيرة كريت. وكان الأب حرفيًّا بارعًا، فابتكر طريقة للفرار بصنع جناحين لكلٍّ منهما من الريش والخشب والشمع. وقبل الهرب، أعطى ابنه زوجًا من الأجنحة، لكنه حذّره من أن الريش لم يكن مثبتًا إلا بالشمع. ولهذا حذّره من أنه إذا طار قريبًا جدًا من الشمس، ذاب الشمع وتساقط الريش. وما إن شرع الأب والابن في الهرب حتى طارا بسهولة خارج السجن. لكن الابن إيكاروس، حين ارتفعا في الجو، ابتهج كثيرًا بإحساس الطيران، فراح يطير أعلى فأعلى. ونسي التحذير، فطار قريبًا جدًا من الشمس، ووقع ما كان لا مفر منه: أذابت حرارة الشمس المباشرة الشمع، وتساقط الريش، وهوى إيكاروس إلى حتفه في البحر تحته!
إنها قصة غريبة ومليئة بالكثير من الاستحالات العلمية. ومع ذلك، كثيرًا ما تُستخدم هذه القصة كحكاية رمزية لتعليمنا درسًا عن مخاطر الأحلام التي تعلو كثيرًا. ومغزى الدرس أننا إذا حلمنا بأشياء أكبر مما ينبغي، فسنهوي إلى الأرض ونندم.
والحق أنني أحيانًا أشعر بأنني أشبه إيكاروس كثيرًا. وقد وجدت أن الحلم عاليًا له ثمن، وغالبًا ما يعني ذلك أن أسقط على وجهي. قال أحدهم ذات مرة: «أنت شاب بقدر ما تحمله من أحلام، وعجوز بقدر ما فيك من تهكّم». وأظن أن في ذلك قدرًا كبيرًا من الحقيقة. ما الذي يجعل الشخص الإيجابي صاحب الرؤية باعثًا للحياة إلى هذا الحد؟ وبالمثل، ما الذي يجعل مخالطة المتشائمين والساخرين من كل شيء مستنزفةً لهذه الدرجة؟
فما هو إذن الموقف الكتابي الصحيح من فكرة أن نحلم أحلامًا كبيرة؟ الحقيقة المشجعة هي أن «الرؤى» و«الأحلام» في الواقع جزء من الميراث الذي نلناه حين انسكب الروح القدس على الكنيسة في يوم الخمسين. ويسجل سفر أعمال الرسل:
«بل هذا ما قيل بلسان يوئيل النبي:
ويكون في الأيام الأخيرة، يقول الله، إني أسكب من روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويرى شبابكم رؤى، ويحلم شيوخكم أحلامًا: وعلى عبيدي وإمائي أيضًا أسكب من روحي في تلك الأيام، فيتنبأون». أعمال الرسل 2:16-18
إذا قرأت هذا كما أقرأه أنا، فسيبدو سفر أعمال الرسل وكأنه يقول إن بركات الروح القدس تشمل الأحلام والرؤى، إلى جانب القوة الممسوحة والنبوة. لاحظ أن سفر أعمال الرسل يقول إن «الشباب» هم الذين يُعطَون «الرؤى»، لكنه يتابع، على نحو لافت، فيقول إن «الشيوخ» هم الذين يحلمون—يا للعجب! يمنحنا الروح الرؤى في شبابنا، لكنه لا يتوقف عند ذلك. فبدلًا من أن نصبح متشائمين وساخرين كلما تقدمنا في السن، يبقينا الروح القدس حالمين حتى في شيخوختنا! ما أعظم هذا التشجيع، وما أبعده عن عقلية «التقاعد» التي تسود ثقافتنا الأمريكية اليوم.
وبهذه الفكرة، أستطيع أن أتخيل احتمالين لمستقبلي. وفق السيناريو الأمريكي المعتاد، سأرى، كلما كبرت وازددت «حكمة» في شؤون العالم، أن أفكاري الشابة كانت متطرفة وساذجة. وسأدرك أن ما بقي لي على هذه الأرض قليل، ولذلك ينبغي أن أستمتع بـ«خيرات الحياة» في ما تبقى لي من وقت. وبفضل ما جمعته في حسابي المصرفي، يمكنني أن أمضي وقتي في جولة في أمريكا بمنزل متنقل، أو في رحلات متنوعة إلى الخارج. وربما ضحكت أيضًا على بعض الأفكار المتحمسة التي راودتني في شبابي… وسأحرص على ألا أضيّع مزيدًا من الوقت في أفكار طائشة. وبدلًا من ذلك، سأحرص على أن أقضي وقتي في خدمة نفسي.
لكن هذه ليست الصورة التي يرسمها لي سفر أعمال الرسل وهو يصف «الشيوخ». ففي رواية يوم الخمسين، يواصل الشيوخ، الممتلئون من الروح القدس، الحلم! وفي هذا السياق، تتكون لدي صورة رائعة لرجل مسنّ من رجال الله، ممسوح، يتأمل حياته حين كان شابًا ولا يسخر من نزعاته ذات الرؤية. بل يشكر هذا الرجل الرب على الرؤية التي وهبه إياها الروح القدس في شبابه. وفوق ذلك، فإن هذا الرجل، بعدما تقدم به العمر، لا يزال يتوق إلى المزيد من الله ويحلم بآفاق جديدة يمكنه هو وإخوته الأصغر سنًّا بلوغها، إذا أفسحوا المجال لله ليعمل فيهم كما يشاء.
هذه هي الحياة التي أريدها، لكن عليّ أن أعترف بأنني كثيرًا ما أشعر بأنني أشبه إيكاروس في الحكاية اليونانية أكثر مما أشبه ذلك الرجل المسنّ الممسوح، الذي يحلم كما يصفه سفر أعمال الرسل. عندئذ أحتاج إلى أن أتذكر أن مواهب «الرؤى» و«الأحلام» التي ذُكرت في يوم الخمسين لم تكن ثمرة أمور من قبيل مساعدة الذات والتفكير الإيجابي والتحلي بموقف إيجابي، بل كانت ثمرة المواظبة على الصلاة والامتلاء من الروح القدس.
حين أشعر بإغراء التشاؤم والسخرية والشك، عليّ أن أتذكر أن هذه المواقف السلبية ليست من ثمر حياة مملوءة بالروح. فهناك رؤى وأحلام هي عطايا من الله، وقد وُعد بها كل من يطلبها بصدق. (لوقا 11) وبوصفي ابنًا لله، فإن من حقي الموروث أن أطلب من الروح القدس الرؤية، وأن أواصل طلب الأحلام منه حتى نهاية حياتي.
أريد أن أطير. لكنني أريد أن أطير لا بأجنحة من الشمع والريش، بل بروحه. والطيران على هذا النحو يختلف عما تحدث عنه اليونانيون حين تكلموا عن الطيران. تقول الرواية الكتابية عن الطيران إننا حين نطير، فإنما نفعل ذلك لأن الله يرفعنا من أسفل. والأهم أنه يخبرنا بأن الغاية كلها هي أن يأتي بنا إليه… «كيف حملتكم على أجنحة النسور وأتيت بكم إليّ». خروج 19:4 أريد أن أطير مع الله، وأن أحلم بما يعلو على هذا العالم، وأن أفعل كل ما يريده الله لي في حياتي. وأعلم أنني لا أملك حتى فرصة لذلك إلا بروحه.
في هذا العدد نتناول هذه الخطوة الأولى في السير بالروح. فلا بد أن نولد من الروح، وإلا كانت مسيحيتنا مجرد مظهر. ونلقي نظرة أيضًا على كيفية تعاملنا مع ثقافة الكنعانيين المحيطة بنا، وكيفية التعامل مع أخطر جوانب ثقافتنا الأمريكية الكنعانية—المال.
عسى أن يدفعك هذا العدد من نبض البقية إلى أن تحلم وتطير عاليًا مع المسيح في السماويات.
~الأخ دين

