إن كثرت الثروات فلا تجعلوا قلوبكم عليها. مزامير 62:10.
مقدمة
كان في السابعة والثمانين من عمره، وكان يشعر بأنه (كما كتب هو نفسه) واحد «عيناه كليلتان، ويداه ترتجفان، وقدماه تترنحان». لكن بقيت لديه رسالة يريد إيصالها. وبحماسة تبدو أشد حتى من حماسته المعتادة، حذّر جون ويسلي شعبه من خطر عظيم: الثروات. فمن حفنة صغيرة، نمت حركته حتى صار فيها 135,000 عضو وأكثر من 500 واعظ جوّال. وقد كان لوعظه أثر فعّال في تغيير المناخ الأخلاقي والسلوكي في إنجلترا تغييرًا ملحوظًا، إلى حد أن يُنسب إليه إنقاذ إنجلترا من حمام دم شبيه بما حدث لاحقًا في الثورة الفرنسية. لكن شرًا خبيثًا كان يتربص بين أبناء شعبه، فاستعمل ويسلي بعضًا مما بقي لديه من قوة لينادي هذا الشر باسمه الحقيقي.
عسى أن تكون لنا، نحن الذين تفوق ثرواتنا مرات كثيرة ثروات أهل أيام جون ويسلي، آذان تسمع.
(لاحظوا أن بعضًا من إنجليزية ويسلي قد حُدّثت، وأن العناوين الفرعية ليست من الأصل. والتوقيع تحت العنوان صورة طبق الأصل عن توقيعه الشخصي.)
من تصريح ربنا الصريح هذا: «إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات»، يمكننا أن نتعلم بسهولة أن لا أحد يستطيع امتلاك الثروات دون أن يتعرض لخطر عظيم بسببها. لكن إذا كان مجرد امتلاكها محفوفًا بخطر كبير، فكم أعظم خطر زيادتها! وهذا الخطر عظيم حتى على الذين يرثون ما انتقل إليهم عن آبائهم؛ لكنه أعظم بكثير على الذين يكتسبونها بمهارتهم واجتهادهم. لذلك لا شيء أحكم من هذا التحذير: «إن كثرت الثروات فلا تجعلوا قلوبكم عليها». مزامير 62:10
صحيح أن الثروات وزيادتها عطية من الله. ومع ذلك، ينبغي توخي عناية كبيرة لكيلا يتحول ما أُريد به أن يكون بركة إلى لعنة. ولمنع ذلك، من الملائم للغاية أن نتأمل بجدية في ما يلي:
- ما المقصود بالثروات، ومتى يمكن القول إنها تزداد.
- ما الذي ينطوي عليه تعلّق قلوبنا بها، وكيف يمكننا تجنب ذلك.
ما المقصود بـ«الثروات»؟
تأملوا أولًا في المقصود هنا بالثروات. قد يظن بعضهم أنه يكاد يستحيل أن يخطئ المرء في فهم معنى هذه الكلمة الشائعة. لكن الواقع أن آلافًا يقعون في هذا الخطأ، وكثيرون منهم ببراءة تامة. فقد سمع أحد الوجهاء عظةً عن هذا الموضوع منذ عدة أعوام، فصاح بصوت عالٍ بين الدهشة والاستنكار: «لماذا يتحدث عن الثروات هنا؟ لا يوجد غني في وايتهيفن سوى السير جيمس ل----ر».
والحق أنه لم يكن هناك أحد سواه له دخل قدره 40,000 جنيه إسترليني1 في السنة، وعدة ملايين نقدًا. لكن يمكن للرجل أن يكون غنيًا من دون أن يكون له دخل سنوي قدره 100 جنيه إسترليني، ولا حتى 1000 جنيه نقدًا. فكل من لديه طعام يأكله ولباس يلبسه، ويفيض لديه شيء، هو غني. وكل من لديه ضروريات الحياة ووسائل الراحة لنفسه ولأسرته، وشيء قليل يفيض ليعطيه لمن لا يملكونها، هو غني بالمعنى الصحيح؛ إلا إذا كان بخيلًا محبًا للمال، يكنز ما يستطيع وما ينبغي له أن يعطيه للفقراء. لأنه إن كان كذلك، فهو لا يزال فقيرًا، وإن كانت لديه ملايين في البنك؛ بل هو أفقر الناس، إذ:
لا يشكو المتسولون إلا من نصيب مشترك؛
أما الغني الفقير فهو فقير حقًا.
احذروا إصدار الأحكام
لكن يمكن هنا استثناء حالة. فقد يملك المرء أكثر من ضروريات أسرته ووسائل راحتها، ومع ذلك لا يكون غنيًا. إذ قد يكون مدينًا، وقد تفوق ديونه قيمة ما يملكه. فإن كانت هذه حاله، فهو ليس غنيًا مهما بلغ ما لديه من مال. وقد يخشى رجل الأعمال أن تكون هذه هي حقيقة وضعه المالي، سواء أكان الأمر كذلك أم لا؛ وحينئذ لا يستطيع أن يكون سخيًا كما يرغب، خوفًا من أن يكون ظالمًا. كم من المنخرطين في التجارة هم في هذه الحال بعينها! ولا سيما الذين يتاجرون بمبالغ ضخمة جدًا، إذ كثيرًا ما تكون شؤونهم متشابكة إلى حد يستحيل معه تحديد قيمة ما يملكون بدقة، أو حتى معرفة ما إذا كانت لهم أي قيمة صافية أم لا. أفلا ينبغي أن نراعي ظروفهم بإنصاف؟
واحذروا أن تصدروا حكمًا متسرعًا على ثروة الآخرين. فقد تكون في ظروف المرء أمور خفية لا يعلمها إلا الله وقلة من الناس. منذ أعوام، قلت لرجل: «سيدي، أخشى أنك محب للمال».
فسألني: «ما سبب خوفك؟»
أجبته: «قبل عام، حين جمعت تبرعات لتغطية نفقات إصلاح المسبك، تبرعت بخمس غينيات. أما في حملة التبرعات التي أُقيمت هذا العام، فلم تتبرع إلا بنصف غينية».
لم يجب، لكنه سألني بعد قليل: «أرجو يا سيدي أن تجيبني عن سؤال: لماذا تعيش على البطاطا؟» (وقد فعلت ذلك مدة تراوحت بين ثلاث وأربع سنوات.)
فأجبت: «لقد أسهم ذلك كثيرًا في تحسين صحتي».
قال: «أظن ذلك. لكن ألم تفعل ذلك أيضًا لتوفير المال؟»
قلت: «بلى؛ فما أوفره من نفقات طعامي يكفي لإطعام شخص آخر لولا ذلك لما وجد ما يأكله».
فقال: «لكن يا سيدي، إذا كان هذا دافعك، فيمكنك أن توفر أكثر بكثير. أعرف رجلًا يذهب إلى السوق في بداية كل أسبوع، فيشتري من الجزر الأبيض ما قيمته بنس واحد، ويغليه في كمية كبيرة من الماء. ويكفيه الجزر الأبيض طعامًا، والماء شرابًا طوال الأسبوع التالي. وهكذا لا يكلفه طعامه وشرابه معًا سوى بنس واحد في الأسبوع».
وكان يفعل ذلك باستمرار، مع أنه كان يكسب حينها 200 جنيه إسترليني في السنة،2 لكي يسدد الديون التي استدانها قبل أن يعرف الله! وهذا هو الرجل الذي كنت قد حسبته محبًا للمال!
وماذا عنكم؟
لكن هناك من يقرّون أمام الله بأنهم أغنياء. ولا شك أن بعضًا منكم أنتم منهم. لديكم من خيرات هذا العالم أكثر مما تحتاجون إليه أنتم أو أسرُكم. فليتأمل كل واحد في أمره. هل تزداد ثرواتكم؟ ألا تفهمون هذا التعبير الواضح؟ أليس لديكم مال أكثر، أو ما يعادله من قيمة، مما كان لديكم قبل 10 أو 20 سنة، أو في مثل هذا الوقت من السنة الماضية؟ إن كنتم تمسكون حسابًا، فسيسهل عليكم معرفة ذلك. بل ينبغي لكم أن تعرفوا؛ وإلا فلستم وكلاء صالحين، حتى في هذا الجانب، على مال الظلم. وينبغي لكل إنسان، سواء أكان منخرطًا في التجارة أم لا، أن يعرف ما إذا كانت ثروته تنقص أم تزيد.
لكن كثيرين وجدوا طريقة لا يصبحون بها أغنياء أبدًا، مهما ازدادت ثرواتهم. وهي أنهم يستثمرون المال فور دخوله، إما في الأرض أو في توسيع تجارتهم. وهكذا يستطيع كل واحد منهم أن يظل يقول: «لست غنيًا»، إذ يُبقي أمواله النقدية قليلة. ويمكنه أن يقول ذلك حتى لو صار يملك من الثروة عشرة أمثال ما كان يملكه قبل سنوات، أو عشرين مثلًا، أو مئة مثل.
توضح ذلك واقعة حديثة: فقد جاء رجل إلى تاجر في لندن منذ بضع سنوات وقال له: «سيدي، أرجوك أن تعطيني غينية3 لأسرة جديرة بالمساعدة تعاني ضيقًا شديدًا».
فأجابه: «في الحقيقة يا سيد م.، لا أستطيع أن أتبرع بها الآن بسهولة؛ لكن إن عدت إليّ حين تبلغ ثروتي 10,000 جنيه إسترليني، فسأعطيك عشر غينيات».
وبعد مدة، عاد إليه السيد م. وقال: «سيدي، أطالبك بوعدك؛ فأنت الآن تملك ثروة قدرها 10,000 جنيه إسترليني».
فأجاب: «هذا صحيح تمامًا، لكنني أؤكد لك أنني لا أستطيع الاستغناء عن غينية واحدة بقدر ما كنت أستطيع حينها».
يمكن للمرء أن يخدع نفسه بهذه الحيلة البارعة، ويمكنه أن يخدع الناس أيضًا؛ إذ «ما دمت تحسن إلى نفسك، يتكلم الناس عنك بالخير». يقول اللندني: «إنه رجل صالح حقًا، ثروته مئة ألف» (100,000 جنيه إسترليني). لكن، يا للأسف، لا يستطيع أن يخدع الله، ولا يستطيع أن يخدع إبليس. آه، كلا! إن لعنة الله واقعة عليك بالفعل، وعلى كل ما تملك. وغدًا، حين يقبض إبليس على روحك، ألن يقول لك: «ماذا تنفعك كل ثرواتك؟» هل ستشتري لك وسادة لرأسك في بحيرة النار المتقدة بالكبريت؟ أم ستجلب لك كأسًا من «الماء لتبرّد لسانك» بينما تُعذّب في ذلك اللهيب؟ آه، اتبع الإرشاد الحكيم الوارد هنا، لئلا يقول الله لك: «يا غبي!»
لذلك لن تجدي هذه الألعاب الذهنية. ولن تحمي من غضب الله ولا من مكر إبليس وقوته. لقد ثبتت إدانتكم بالفعل بأنكم «تعلّقون قلوبكم» بثرواتكم إن أعدتم استثمار كل ما يزيد على وسائل الراحة في الحياة، مضيفين مالًا إلى مال، وبيتًا إلى بيت، أو حقلًا إلى حقل، من دون أن تعطوا الفقراء عُشر دخلكم على الأقل (وهي النسبة التي كان اليهود يدفعونها). ومهما كانت الوسيلة التي ازدادت بها ثرواتكم، سواء أكان ذلك بجهد أم من دونه، وسواء أكان عن طريق التجارة أو الميراث أو أي سبيل آخر، فما لم تزداد صدقاتكم بالنسبة نفسها، وما لم تعطوا عُشرًا كاملًا من ثروتكم ومن دخلكم الثابت والطارئ، فلا شك أنكم تعلّقون قلوبكم بذهبكم، وهو «سيأكل لحمكم كالنار!»4
قسوة قلب محبّ المال
لكن، آه! من يستطيع أن يقنع الغني بأنه يعلّق قلبه بالثروات؟ منذ أكثر من نصف قرن بكثير، وأنا أتكلم في هذا الموضوع بكل صراحة أستطيعها. لكن ما أقل الأثر! وأشك أنني أقنعت، طوال تلك المدة، خمسين بخيلًا بأنه محب للمال. حين وُصف محب المال بأوضح صورة ورُسمت صورته بأقوى الألوان، من طبّق الوصف على نفسه؟ ومن قال له الله وكل من يعرفه: «أنت هو الرجل!» إن كان الله يخاطب أحدكم الحاضرين، فلا تسدوا آذانكم! بل قولوا مع زكا: «ها أنا يا رب أعطي نصف أموالي للفقراء، وإن كنت قد ظلمت أحدًا في شيء أردّه أربعة أضعاف». لم يقصد أنه فعل ذلك في الماضي، بل إنه عزم على فعله في المستقبل. أستحلفك أمام الله، يا محب المال، أن «اذهب وافعل أنت أيضًا كذلك!»
لديّ رسالة من الله إليك، أيها الغني! سواء أسمعت أم أبيت. لقد ازدادت ثرواتك؛ فإياك، وإلا عرّضت نفسك للهلاك، أن «تجعل قلبك عليها!» كن شاكرًا للذي أعطاك هذه الموهبة، وهذه القدرة العظيمة على فعل الخير. لكن لا تجرؤ على الابتهاج بها إلا بخوف ورعدة؛ «واحذر أن تلتصق بها، لئلا تتورط وتهلك». لا تجعلها غايتك، ولا موضع سرورك الأعظم، ولا سعادتك، ولا إلهك! احذر أن تتوقع السعادة من المال، أو من أي شيء يمكن شراؤه به، سواء في إشباع شهوة الجسد، أو شهوة العيون، أو تعظم المعيشة.
لكن دعونا نتناول الأمور بالتفصيل، وليكن كل واحد منكم أمينًا مع نفسه. إن كان لدى أي منكم الآن ضعفا أو ثلاثة أضعاف أو أربعة أضعاف ما كان لديه حين رأى وجهي أول مرة، فليمتحن نفسه بأمانة، وليرَ إن كان لا يعلّق قلبه، إن لم يكن بالمال أو الثروات ذاتها مباشرة، فببعض الأشياء التي يمكن شراؤها بها؛ وهذا يعادل الأمر نفسه. وكل هذه الأمور يضمّها الرسول يوحنا تحت الاسم العام العالم، ويضم الرغبة فيها، أو طلب السعادة فيها، تحت تسمية «محبة العالم».
تعريف «العالم»
وهو يقسم هذا إلى ثلاثة فروع: «شهوة الجسد، وشهوة العيون، وتعظم المعيشة». فامتحنوا أنفسكم بصدق في ما يتعلق بهذه الأمور.
- أولًا، «شهوة الجسد». أظن أن المقصود بها طلب السعادة في الأمور التي ترضي الحواس. ولنأخذ مثالًا واحدًا: ألا تطلبون سعادتكم في زيادة متعة التذوق؟ ولأكون أكثر تحديدًا: ألا تأكلون بكثرة أكبر أو بنوعية أرقى مما كنتم تأكلون قبل عشر أو عشرين سنة؟ ألا تتناولون شرابًا أكثر، أو شرابًا أغلى ثمنًا مما كنتم تتناولونه حينها؟ وهل تنامون على فراش بالصلابة نفسها التي كان عليها فراشكم من قبل، على افتراض أن صحتكم تسمح بذلك؟ ولأشير إلى أمر آخر: هل تصومون الآن، بعد أن صرتم أغنياء، بقدر ما كنتم تصومون حين كنتم فقراء؟ أليس من المنطقي أن تفعلوا ذلك مرات أكثر لا أقل؟ أخشى أن ضميركم يدينكم. لستم أبرياء في هذا الأمر.
- أما الفرع الثاني من محبة العالم، «شهوة العيون»، فنطاقه أوسع. ويمكننا أن نفهم منه طلب سعادتنا في إرضاء الخيال (وذلك أساسًا عن طريق العيون)، من خلال الأشياء الفخمة أو الجديدة أو الجميلة (إن لم يكن من الممكن جمعها كلها تحت عنوان واحد، لأن الأشياء الفخمة أو الجميلة لا تعود ممتعة حين تفقد جدتها). لكن ألا تكون أكثر الأشياء خواءً ممتعة ما دامت جديدة؟ ألا يطلب بعضكم، بدافع حب التجديد، قدرًا لا يستهان به من سعادتهم في أكثر الأشياء خواءً: اللباس؟ ألا تنفقون عليه مالًا أكثر، أو (وهو الأمر نفسه) وقتًا أو جهدًا أكثر مما كنتم تنفقون من قبل؟ أخشى أن ذلك لا يُفعل لإرضاء الله. إذن فهو يرضي إبليس. إذا كنتم قد تخليتم منذ سنوات عن زينتكم التي لا حاجة إليها—الكشكش، والقلائد، وأغطية الرأس الشبيهة بنسيج العنكبوت، والقبعات النسائية القبيحة غير اللائقة،5 والكتان الفاخر، والدانتيل الغالي—أفلم تعودوا إليها تحديًا للدين والعقل؟6
ربما تقولون إنكم تستطيعون الآن تحمل هذه النفقة. هذا هراء محض. من الذي أعطاكم هذه الزيادة في ثروتكم، أو (والأصح أن نقول) أقرضكم إياها؟ بل، والأصح من ذلك، من الذي أودعها في أيديكم مؤقتًا بصفتكم وكلاء له، وأعلمكم في الوقت نفسه بالغايات التي ائتمنكم عليها من أجلها؟ فهل تستطيعون تحمل تبديد أموال سيدكم، التي ستُسألون عن كل جزء منها، أو إنفاقها في أي وجه آخر غير الوجه الذي عيّنه صراحة؟ اطرحوا هذه النغمة الدنيئة الشيطانية! ولا تدعوها تخرج من شفاهكم مرة أخرى. إن القدرة على تحمل نفقة سرقة الله هي بعينها نشيد الجحيم.
ألا تعلمون أن الله ائتمنكم على هذا المال (كل ما يزيد على ما يشتري ضروريات أسرِكم) لإطعام الجائع، وكسوة العريان، ومساعدة الغريب والأرملة واليتيم؛ بل، بقدر ما يكفي، لسد احتياجات البشرية جمعاء؟ كيف يمكنكم، وكيف تجرؤون، على سلب سيدكم بتخصيصه لغرض آخر؟ حين ائتمنكم على القليل، ألم يفعل ذلك لكي تنفقوا ذلك القليل كله في فعل الخير؟ وحين ائتمنكم على المزيد، ألم يفعل ذلك لكي تفعلوا خيرًا أكثر بقدر ما ازدادت قدرتكم؟ أأصبح لكم حق في تبديد جنيه أو شلن أو بنس أكبر مما كان لكم من قبل؟ لذلك ليس لكم الآن حق أكبر في إرضاء شهوة الجسد أو شهوة العيون مما كان لكم حين كنتم متسولين. كلا، أبدًا! لا تردوا الجميل بهذا الرد الزهيد على سيدكم المحسن! بل كلما ائتمنكم على المزيد، فكونوا أشد حرصًا على استخدام كل فلس كما عيّنه.
استخدام كل فلس كما تفعل الملائكة
يا ملائكة الله، يا خدامه الذين تفعلون مشيئته على الدوام، لقد ائتمنكم سيدنا المشترك أيضًا على مواهب أثمن بكثير من الذهب والفضة، لكي تخدموا، كل في منصبه، ورثة الخلاص. ألا تستخدمون كل فلس مما نلتموه للغرض الذي أعطي لكم من أجله؟ ألم يوجّهنا إلى أن نفعل مشيئته على الأرض كما تفعلون أنتم في السماء؟ أيها الإخوة، ماذا نفعل؟ لنستيقظ! لننهض! لنقتدِ بهؤلاء الخدام المتقدين! لنستخدم نفوسنا وأجسادنا وثروتنا كلها وفقًا لمشيئة ربنا! لنؤدِّ لله ما لله، أي كل ما نحن عليه وكل ما نملكه!
إن أكثر الذين تتعلق قلوبهم بالثروات حين تزداد، يفعلون ذلك بطريقة غير مباشرة، كما في بعض الأمثلة السابقة التي ذكرتها. لكن آخرين يفعلون ذلك بصورة أكثر مباشرة، فهم بحق «محبو المال». يحبونه لذاته، لا لما يشتريه فحسب. غير أن هذه الرذيلة نادرًا ما توجد عند الأطفال أو الشباب، بل توجد فقط، أو في المقام الأول، لدى المسنين؛ أي لدى أقل الناس حاجة إلى المال وأقلهم وقتًا للاستمتاع به.
ألا يدفعنا هذا إلى الظن بأنه في حالات كثيرة شرّ عقابي؛ أي شرّ يعاقب على الخطية؟ فعندما يدفن المرء موهبته الثمينة في الأرض أعوامًا طويلة، يسلّمه الله إلى الشيطان ليعاقبه بحب مفرط لها. عندئذ يعذبه أكثر فأكثر «ذلك الجوع الملعون إلى الذهب» الذي لا يمكن إشباعه أبدًا. أجل، ما يقوله أحد الوثنيين صحيح تمامًا: «كما ينمو المال، ينمو حب المال؛ فهو يزداد بالنسبة نفسها». مثل الاستسقاء: كلما شربت ازددت عطشًا، إلى أن يلقي بك ذلك العطش الذي لا يروى في النار التي لا تطفأ أبدًا!
قد تسألون: «ألا توجد طريقة لتجنب هذا المرض الشنيع أو علاجه؟» ثمة وسيلة واحدة للوقاية منه، وهي أيضًا علاج له؛ وأعتقد أنه لا توجد وسيلة أخرى تحت السماء. وهي كالتالي: بعد أن تكونوا قد ربحتم (مع مراعاة التحذيرات المذكورة آنفًا) كل ما تستطيعون، وادخرتم كل ما تستطيعون، ولم ينقصكم شيء، فلا تنفقوا جنيهًا واحدًا أو شلنًا واحدًا أو بنسًا واحدًا لإرضاء شهوة الجسد أو شهوة العيون أو تعظم المعيشة؛ ولا لأي غرض آخر في الحقيقة سوى إرضاء الله وتمجيده. وبعد أن تتجنبوا هذه الصخرة عن يمينكم، احذروا الصخرة التي عن يساركم. ثانيًا: لا تكنزوا شيئًا. لا تدخروا لكم كنزًا على الأرض، بل أعطوا كل ما تستطيعون، أي كل ما لديكم. أتحدى جميع الناس على الأرض، بل جميع الملائكة في السماء، أن يجدوا طريقة أخرى تنتزع سمّ الثروات.
نصيحة ويسلي الأخيرة
دعوني أضيف كلمة أخرى. بعد أن خدمتكم ما بين ستين وسبعين سنة، بعينين كليلتين ويدين مرتجفتين وقدمين مترنحتين، أقدم لكم نصيحة أخيرة قبل أن أهبط إلى التراب. تأملوا كلمات القديس بولس: «الذين يريدون» أو يسعون «أن يكونوا أغنياء»، في تلك اللحظة «يسقطون في تجربة». بل يسقطون في هوة عميقة من التجارب، لا يقدر أن ينقذهم منها شيء سوى القدرة الكلية. «ويسقطون في فخ»—والكلمة تعني في أصلها مصيدة فولاذية تسحق الحيوان الذي يقع فيها فورًا إربًا إربًا—«وفي شهوات كثيرة غبية ومضرة، تغرق الناس في العطب والهلاك». لا تنسوا هذه الكلمات المروعة أبدًا، أنتم، فوق جميع الناس، الذين تنعمون الآن بالرخاء في العالم! ما أشد زلق طريقكم! وما أخطر كل خطوة! ليمنحكم الرب الإله القدرة على رؤية خطركم وليجعلكم تشعرون به بعمق! آه، ليتكم «تستيقظون على صورته وتشبعون بها»!
اسمحوا لي أن أقترب أكثر قليلًا. لعلني لن أزعجكم مرة أخرى في هذا الموضوع. إنني أتألم من أجلكم، أنتم «الأغنياء في هذا العالم». هل تعطون كل ما تستطيعون؟ أنتم الذين تتقاضون 500 جنيه إسترليني في السنة وتنفقون 200 فقط، هل تعطون الله 300؟ إن لم تفعلوا، فأنتم بالتأكيد تسلبون الله تلك الـ300. وأنتم الذين تتقاضون 200 وتنفقون 100 فقط، هل تعطون الله الـ100؟ إن لم تفعلوا، فأنتم تسلبونه هذا المقدار بعينه.
الأعذار
«أفلا يحق لي أن أفعل ما أشاء بمالي؟» هنا يكمن أساس خطئكم. فهو ليس مالكم. ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا كنتم أرباب السماء والأرض.
«لكن عليّ أن أوفر لأبنائي». بالتأكيد. ولكن كيف؟ بأن تجعلوهم أغنياء؟ عندئذ يُرجح أن تجعلوهم وثنيين، كما فعل بعضكم بالفعل.
«فماذا أفعل إذن؟» أيها الرب، تكلم إلى قلوبهم، وإلا كان الواعظ يتكلم عبثًا! اتركوا لهم ما يكفي ليعيشوا، لا في الكسل والترف، بل بالعمل الشريف. وإن لم يكن لكم أبناء، فبأي مبدأ كتابي أو عقلاني تتركون وراءكم قطعة غروت واحدة تزيد على ما يكفي لدفنكم؟ أرجو أن تتأملوا: ما النفع الذي يعود عليكم مما تتركونه وراءكم؟ وما الفرق إن تركتم وراءكم 10,000 جنيه إسترليني، أو 10,000 حذاء وجزمة؟
آه، لا تتركوا وراءكم شيئًا! أرسلوا كل ما لديكم قبلكم إلى عالم أفضل! أقرضوه، أقرضوه كله للرب، فيرده إليكم! أهناك خطر أن يخلف وعده؟ إن صدقه ثابت كثبات أعمدة السماء. أسرعوا، أسرعوا يا إخوتي، أسرعوا، لئلا يُطلب منكم الرحيل قبل أن تستثمروا ما تملكونه بهذا الضمان! وعندما يتم ذلك، يمكنكم أن تقولوا بكل جرأة: «ليس عليّ الآن إلا أن أموت! أيها الآب، في يديك أستودع روحي! تعال أيها الرب يسوع! تعال سريعًا!» ~
1 £ هو رمز الجنيه الإسترليني. يصعب إلى حد ما تحديد القيم النقدية عبر القرون والثقافات. لكن لإعطاء فكرة عامة، ربما كان العامل العادي في إنجلترا عام 1780 يكسب 2-3 جنيهات إسترلينية شهريًا. وهذا يعادل تقريبًا 300-400 دولار شهريًا في اقتصاد الولايات المتحدة اليوم.
2 كما ذُكر في الحاشية السابقة، ربما كان متوسط أجر العامل العادي في ذلك الوقت نحو 30 جنيهًا إسترلينيًا سنويًا.
3 نحو جنيه إسترليني واحد.
4 قد يبدو من ذكر ويسلي للعشور هنا أنه لا يشجع إلا على دفع عُشر منتظم. لكن لاحظوا أن السياق يتناول «إعادة الاستثمار». يرى كثيرون أن عليهم إعادة استثمار الأرباح لكي يكسبوا المزيد، ومن ثم يكون لديهم المزيد ليعطوه لاحقًا. يشكك ويسلي في هذه «الحكمة»، ويشجع على إعطاء الفقراء ما لا يقل عن 10% فورًا بدلًا من إعادة استثمارها. إن فكرة إعادة استثمار الأرباح لكي يكون لدى المرء المزيد ليعطيه لاحقًا محفوفة بالتجارب. ويبدو أن كثيرين لا يتجاوزون إعادة الاستثمار أبدًا، فبدلًا من أن يعطوا المزيد لاحقًا، يعيدون الاستثمار مرة أخرى... ثم مرة أخرى... ثم مرة أخرى. ولا يصل المال أبدًا إلى الفقراء.
5 لا شك أن ويسلي يتحدث عن قبعة نسائية معينة أنيقة الطراز كان يراها قبيحة، لا عن القبعات النسائية عمومًا.
6 لم يتطرق ويسلي في هذه الرسالة إلى شرح الجانب الثالث، «تعظم المعيشة».



